الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

83

مناهل العرفان في علوم القرآن

( ثالثها ) أن النسخ جائز عقلا ممتنع سمعا . وبه تقول العنانية وهي الطائفة الثالثة من طوائف اليهود . ويعزى هذا الرأي إلى أبى مسلم الأصفهاني من المسلمين ، ولكن على اضطراب في النقل عنه وعلى تأويل يجعل خلافه لجمهرة المسلمين شبيها بالخلاف اللفظي إلا بكنه . ذلك إجمال لآراء المتدينين في النسخ ، وسنفصل القول فيها بما نعرضه عليك ، ففرغ له بالك ، ووجه إليه انتباهك . ولنبدأ بتأييد المذهب الحق وعرض أدلته ، ثم لنبين حكمة اللّه فيه . وبعد ذلك نستعرض المذاهب الأخرى وما استندت إليه على أنها شبهات ندفعها عن عربن الحق ، وأغشية نرفعها عن وجه الصواب أدلة ثبوت النسخ عقلا وسمعا لأجل أن نثبت النسخ في مواجهة منكر به جميعا ، نقيم أدلة على جوازه العقلي ، وأدلة أخرى على وقوعه السمعي . أدلة جواز النسخ عقلا . أما أدلة جوازه العقلي . فأربعة إجمالا ، ولا يضير بعضها أن يكون دليلا على الجواز والوقوع معا . ( الدليل الأول ) أن النسخ لا محظور فيه عقلا ، وكل ما كان كذلك جائز عقلا . أما الكبرى فمسلمة . وأما الصغرى فيختلف دليلها عند أهل السنة عن دليلها عند المعتزلة ، تبعا لاختلاف الفرقتين في أن أحكام اللّه تعالى يجب أن تتبع المصلحة لعباده أو لا يجب أن تتبعها . فأهل السنة يقولون : إنه لا يجب على اللّه تعالى لعباده شئ ، بل هو سبحانه الفاعل المختار والكبير المتعال ، وله بناء على اختياره ومشيئته ، وكبريائه وعظمته ، أن يأمر عباده بما شاء ، وينهاهم عما شاء وأن يبقى من أحكامه على ما شاء ، وأن ينسخ منها ما شاء